العتمة أعادت الناس للمُونة : العزّ للبرغل


29 Jul
29Jul
LOBNAN.NET WHATSAPP GROUP

كتب رمال جوني في “نداء الوطن”:

لفّت العتمة النبطية وقراها، لم يعد هناك إشتراكات الا قلّة تتبع نظام التقنين القاسي جداً. باتت الكهرباء حلم المواطن بعدما كان يحلم بمشاريع تنموية واقتصادية رائدة، حتى أن التفكير بالهجرة بات الشغل الشاغل لأبناء المنطقة، هرباً من وحل الأزمات التي لا تُعدّ ولا تحصى.


حسن شاب متزّوج له ثلاثة اولاد، أصغرهم في الخامسة من العمر، يعمل في مجال الادوات الصحية، يطمح للسفر الى كندا أو أي بلد اوروبي آخر، فالوضع مزرٍ، وما ينتجه لا يكفي تعبئة بنزين وغاز وبعض الحاجيات، جهّز كل اوراقه المطلوبة، وبدأ رحلته نحو السفارات الأجنبية طالباً الهجرة، “فالبلد لم يعد للبنانيين”، كما يقول.


يقارب حسن بين واقعه وما يعيشه، لم يعد أمامه خيار آخر، يريد أن يؤمّن مستقبل أولاده، بحياة أفضل، بتعليم وطبابة أفضل، فلبنان بلد منكوب اقتصادياً وصحياً، “يكفي اننا ننام على العتمة ونستيقظ على العتمة، اما مصالحنا فمعطّلة”. وما يدفع حسن للهجرة سعيه ليعيش بإستقرار في الخارج، غير أن ما يعيق قبول الهجرة انه لا يملك حساباً مصرفياً يحوي 30 مليون ليرة”.


دقّ ناقوس الخطر، بات المواطن يعيش داخل العتمة، كل الاشتراكات اطفأت محرّكات مولداتها، فالمازوت بات عملة نادرة محلية، غير انه باهظ الثمن في السوق الموازية حيث تجّاره ينشطون ليلاً ونهاراً على مرأى من الأجهزة الأمنية، من دون أن يتم ايقاف تاجر واحد.


بالمحصّلة، المواطن يدفع الثمن مرتين من فاتورته المتوقع ان تتخطّى الـ500 الف ليرة وهي توازي الحدّ الأدنى للأجور، ومن راحته وعمله التي تعطّلت حركته، وهو ما دفع للتخوف من تداعيات التقنين على الامن الغذائي. معظم السيدات يحتفظن بطعام في الثلاجات، وهو ما بات مهدّداً بالتلف، ما يدفع بكثيرات منهنّ للبحث عن بدائل غير الدجاج واللحوم والمثلجات، فوقع خيار أم يوسف على المونة القديمة، التي لا تحتاج الى كهرباء لحفظها. وفق الحاجة الخمسينية فإن المونة عادت لتحتل أولوية لدى ربات المنازل، وسلق القمح لإعداد البرغل عاد الى الواجهة بعدما اعتمد كثر على البرغل الجاهز، ومع ارتفاع سعره بشكل خيالي، أضحى القمح البلدي خياراً أوحد للعائلات. وبحسب قولها، يكفي “انه صحي، تكفينا حالات التسمم التي تسجل جراء الأكل الفاسد الذي يقدم في المطاعم والملاحم”.


تشهد القرى هذه الأيام هبّة قوية على تحضير المونة، مع اطلالة تموز تنطلق مواسم الكشك، السميد، الملوخية، شراب البندورة، المخللات وكل انواع المونة البيتية التي تحتل رفوف المنازل هذه الايام، فالمونة كانت سند العائلات قديماً، يكاد منزل لا يخلو منها، إذ كانت ربّات المنازل ينهمكن في التحضير والاعداد لها شهرين كاملين، تنجز في نهايتها سيدة الدار “معركتها الحلوة” مع مونة تشكّل عماد المنزل في فصل الشتاء، وعادة ما تكون المونة من نتاج “حاكورة” الدار التي كانت تخصص لزراعة البندورة والباذنجان، الملوخية والخيار والمقتي وكل انواع الخضر، وتعتبر المونة ركيزة الدار.



تبدأ رحلة القمح الى سميد مع انتهاء دراسة سنابل القمح لتنطلق الحبات الى “خلقينة” كبيرة تسمى “حلة” يُسلق داخلها القمح حتى ينضج، ثم يُرفع بمساعدة العائلة الى “سطح الدار” حيث يفلش ويبقى لعدة ايام حتى يجفّ تحت اشعة الشمس، وتعمد سيدة المنزل الى تقليبه “بالشوكة” يومياً، قبل وضعه في اكياس ونقله الى الجاروشة حيث يتحول القمح سميداً ناعماً وخشناً يستعمل للكبة والمجردة والبقلة وغيرها، وهي اكلات تعدّها ربة المنزل في فترة الشتاء، إذ كان السميد بديل اللحم، والركن الأساسي على مائدة العائلة.


وفق أم علي، فإن البيت بلا مونة كالجسد من دون قلب، في تأكيد على اهمية التخزين لأوقات الشدّة، وترى أن الطعام القروي أيضاً عائد وبصخب كبير وفق تأكيد الحاجة التي تستعدّ لفتح مطعم قروي من اكلات الماضي ككبة بندورة، رشتاية، كبة حيلة، مهروس ماش، وغيرها والتي لا يتطلب تحضيرها سوى ما تعدّه السيدات من مونة ويكفي انها لا تحتاج برّاداً. ولا تخفي أنها بصدد وضع “كبكة”( وهي عبارة عن خشبة مغطاة بناموسية) في اعلى السقف والتي كانت بمثابة براد قديم، تفادياً لانقطاع الكهرباء التي يبدو أننا سنترحّم عليها، كما تقول.


أعادت العتمة الناس سنيناً الى الوراء، حتى دقّ الزعتر سيطحن على اليد، بعدما كان يُطحن داخل الجاروشة التي تحولت في السنوات الماضية مركزاً أساسيا للمونة، الا ان ازمة التقنين دفعت بالسيدات لتحضيرها يدوياً. حتى ربّ البندورة الذي كان يُعصر داخلها ستعود السيدات لعصره في المنزل بالطريقة التقليدية وهو ما دفع بفاتن للقول: “رجعنا لزمن السراج وصحن بومليح، وإذا أصيبوا بعلة ارتشفوا الزهورات والنعناع واليانسون”. وتعلل رأيها بـ”كان جدودنا يعيشون من دون كهرباء، ويأكلون الأكل التراثي، اليوم في عصر الحداثة عدنا لهذا العصر بسبب جشع تجار المازوت والبنزين والدواء”، وتسأل “لماذا لم نرَ تاجراً واحداً في قبضة القوى الامنية الذين تعرفهم بالاسم؟ هل لأنهم ينتمون لجهة حزبية نافذة ممنوع الاقتراب منهم”؟


كل ذلك يمهّد للهجرة التي باتت حلم كل لبناني، لأن الفساد هشّل الناس والازمات ستدفعهم للهجرة الى اي بلد، المهم ان يتركوا لبنان.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.